ابن عربي

108

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

أمرا كنت عنه غنيا . ثم قام ، فتبعته ، فأقبل هارون الرشيد من المروة يريد الصفا ، فصاح به : يا هارون . فلما نظر إليه قال : لبيك يا عمري ، قال : ارق الصفا ، فلما رقيه ، قال : ارم بطرفك إلى البيت ، قال : قد فعلت . قال : كم هم ؟ قال : من يحصيهم ؟ قال : فكم من الناس مثلهم ؟ قال : خلق لا يحصيهم إلا اللّه . قال : اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه ، وأنت وحدك تسأل عنهم كلهم ، فانظر كيف تكون ؟ قال : فبكى هارون وجلس ، وجعلوا يعطونه منديلا منديلا للدموع . قال العمري : وأخرى أقولها ، قال : قل يا عم . قال : واللّه إن الرجل ليسرف في ماله فيستحق الحجر عليه ، فكيف بمن أسرف في مال المسلمين ؟ ثم مضى وهارون يبكي . قال سعيد بن سليمان البغوي : فبلغني أن هارون الرشيد كان يقول : إني لأحب أن أحج في كل سنة ، ما يمنعني إلا رجل من ولد عمر ، ثم يسمعني ما أكره . حدثني بهذه الحكاية يونس بن يحيى بمكة ، قال : ثنا أبو بكر بن منصور ، عن أبي إسحاق ، عن إبراهيم بن سعيد الحبّاك ، ثنا الحافظ ، عن أبي العباس أحمد بن محمد بن الجراح ، عن محمد بن جعفر بن زاذان ، عن هارون بن عبد العزيز العباسي ، ثنا محمد بن خلف بن حبان ، عن محمد بن إسحاق بن عبد الرحمن البغوي . وروينا من حديث ابن ودعان ، عن أبي الموفق محمد بن محمد بن الحسن النيسابوري ، عن سلمة بن خلف ، عن إبراهيم بن محمد ، عن أحمد بن عبد الجبار العطار ، عن وكيع بن الجراح ، عن سليمان بن إبراهيم ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، قال : قال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يقول اللّه تعالى : يا ابن آدم ، تؤتى كل يوم برزقك وأنت تحزن ، وينقص كل يوم من عمرك وأنت تفرح ، أنت فيما يكفيك ، وأنت تطلب ما يطغيك ، لا بقليل تقنع ، ولا بكثير تشبع » . وسمعنا على قول الشريف الرضي في التوديع بالنفس : أراك ستحدث للقلب وجدا * إذا ما الركائب ودّعن نجدا بواكر يطلعن وقت الغوير * شؤون النواظر نايا وبعدا كانا بنجد غداة الوداع * نداوي عيونا من الدمع رمدا وأيسر ما نال منا العليل * أن لا يحس من الماء بردا أثاروا زفيرا يلف الضلوع * لفّ الرياح أنابيب ملدا فكل حرارات أنفاسه * تدل على أن في القلب وقدا وأنى للشوق من بعدهم * أراعي الجنوب مراحا ومغدا